ابن الجوزي

151

صيد الخاطر

106 - العلماء أفضل من الزهاد من أراد أن يعرف رتبة العلماء على الزهاد فلينظر في رتبة جبريل وميكائيل ومن خص من الملائكة بولاية تتعلق بالخلق ، وباقي الملائكة قيام للتعبد في مراتب الرهبان في الصوامع « 1 » . وقد حظي أولئك بالتقريب على مقادير علمهم باللّه تعالى . فإذا مرّ أحدهم بالوحي انزعج أهل السماء حتى يخبرهم بالخبر ، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ما ذا قال ربكم ؟ قالوا : الحق . كما إذا انزعج الزاهد من حديث يسمعه سأل العلماء عن صحته ومعناه . فسبحان من خص الخصوص بخصائص شرفوا بها على جنسهم ، ولا خصيصة أشرف من العلم . بزيادته صار آدم مسجودا له وبنقصانه صارت الملائكة ساجدة . فأقرب الخلق من اللّه العلماء . وليس العلم بمجرد صورته هو النافع بل معناه وإنما ينال معناه من تعلّمه للعمل به ، فكلما دله على فضل اجتهد في نيله وكلما نهاه عن نقص بالغ في مباعدته ، فحينئذ يكشف العلم له سره ، ويسهل عليه طريقه ، فيصير كمجتذب بحث الجاذب فإذا حركه عجل في سيره . والذي لا يعمل بالعلم لا يطلعه العلم على غوره ، ولا بكشف له عن سره فبكون كمجذوب لجاذب جاذبه . فافهم هذا المثل وحسّن قصدك وإلا فلا تتعب . 107 - الاعتدال بين الدنيا والآخرة اعلم أن أصلح الأمور الاعتدال في كل شيء وإذا رأينا أرباب الدنيا قد غلبت آمالهم ، وفسدت في الخير أعمالهم ، أمرناهم بذكر الموت والقبور والآخرة . فأما إذا كان العالم لا يغيب عن ذكره الموت وأحاديث الآخرة تقرأ عليه وتجري على لسانه ، فتذكاره الموت زيادة على ذلك لا تفيد الا انقطاعه بمرة . بل ينبغي لهذا العالم الشديد الخوف من اللّه تعالى ، الكثير الذكر للآخرة ، أن يشاغل نفسه عن ذكر الموت ليمتد نفس أمله قليلا فيصنف ويعمل أعمال خير ، ويقدر على طلب ولد . فأما إذا لهج بذكر الموت كانت مفسدته عليه أكثر من مصلحته ، ألم تسمع أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم سابق عائشة رضي اللّه عنها فسبقته ، وسابقها فسبقها ، وكان يمزح ويشاغل نفسه . فان

--> ( 1 ) شبه انقطاعهم للعبادة بانقطاع الرهبان ، لا أن الرهبان كالملائكة ولا انهم على حق ، الحق اليوم ما جاء به خاتم الرسل صلى اللّه عليه وسلم ، ولقد كان كل رسول في أيامه على حق ، صلوات اللّه عليهم أجمعين .